افريقيا


صناعة الخزف بالمغرب.. تراث تصونه "قطعة طين"


داخل ورشته الغارقة في أوحال الطين، يتابع متأملا الآنية التي تتشكل بمهارة أمام ناظريه، فبحركات فنية سريعة يقعر بعض جنباتها، أو يعيد تصويب أحد أجزائها.

 




داخل ورشته الغارقة في أوحال الطين، يتابع متأملا الآنية التي تتشكل بمهارة أمام ناظريه، فبحركات فنية سريعة يقعر بعض جنباتها، أو يعيد تصويب أحد أجزائها.
فلا يكف "غريب بلحيمود" صانع خزف (81 سنة) بإحدى الورش بمدينة سلا (قرب الرباط) عن تدوير الآنية بواسطة آلة خاصة إلا حين يصبح راضيا عن الشكل النهائي الذي تتخذه القطعة الطينية، وتطمئن نفسه أنها أضحت قطعة فنية متكاملة تسر الناظرين، وتضاف إلى عشرات القطع التي تؤثث رفوف دكانه.
يقول بلحيمود: "كان عمري 18 سنة حينما اخترت أن أتعلم أصول صناعة الخزف على يد بعض الحرفيين القدامى (..) حيث كنا نعمل في ورشة بمدينة آسفي (غرب المغرب) تعود لأحد المعماريين الفرنسيين الذين يقومون بتصدير هذه الصناعة التقليدية إلى أوروبا حيث تلقى رواجا كبيرا(..) بعدها بسنوات سأتمكن من القدوم إلى سلا (قرب الرباط) لأفتح بدوري ورشة لصناعة الخزف".
ويضيف الصانع الذي يعشق أن يشم كل صباح رائحة الطين التي تزكم فضاء الورشة، ويحس بحرارة الأفران التقليدية التي تلفح وجهه كلما اقترب منها: "هذه المزهرية المصنوعة من نوع خاص من الفخار نأتي به من مدينة آسفي المشهورة بجودة طين تربتها، تمر صناعتها بأكثر من خمس مراحل وذلك على امتداد أسبوع كامل من العمل المتواصل، قبل أن تعرض أمام الزوار في واجهة المحل"..
ويسكت المعلم "بلحيمود" لحظات وهو يتفحص إحدى المزهريات ويتأكد من خلوها من أي شق بدقها ومتى سمع رنين متواصل فذاك دليل على جودة الطين و إتقان الصانع على حد تعبيره.
ثم يتابع: "صناعة آنية يتطلب أسبوعا كاملا، أما أن تصير محترفا في صناعة الخزف فذلك يحتاج عمرا بأكمله".
من جانبه يقول أحمد الغريب، الذي دأب على استقبال بعض الأصدقاء الحرفيين القدامى كل صباح في ورشته لاحتساء أكواب من الشاي المغربي المنعنع، إن صناعة الخزف عرفت تألقا محليا وعالميا في المغرب خلال سنوات السبعينات والثمانينات؛ فصارت الأسواق المغربية تصدر الأواني الخزفية إلى عدد من الدول الأوروبية والعربية، بل أضحت هذه الصناعة رمزا ثراتيا مغربيا وبطاقة تعريف لثقافة البلد.
رحلة صناعة الأواني الخزفية بالطريقة التقليدية كما تعارف عليها الصناع الأوائل تبدأ، وكما يقول أحمد الغريب في حديثه للأناضول أثناء جولة في أروقة ورشته "شاقة وصعبة، بجلب الطين من المرتفعات المجاورة للورشة، وفي بعض الأحيان من مناطق مغربية بعيدة عن مدينة سلا (بالقرب من الرباط) حيث تجود الأرض بأفضل أنواع التربة الطينية.
وبعد غربلته وتصفيته يتم عجنه مع إضافة الماء، وحين تجمع مادة طينية كافية ينعزل الصانع داخل ورشته الصغيرة، لينطلق في إبداع أشكال مختلفة لأواني ومزهريات وقطع فنية يحاكي فيها بعض الحيوانات أو الطيور، جميعها وليدة ذات القطعة الطينية نفسها، تتشكل على مهل يقلبها الصانع بين يديه، وبلمسة سريعة وتنم عن ذوق ودربة كبيرة يصير الآنية طائرا، يجعل من الشكل الذي خطر باله للوهلة الاولى صحنا خزفيا، يتفنن في تمليسه وتشذيب جنباته".
وبعد أن تكتمل ملامح القطعة الخزفية، يعرضها الصانع أمام أشعة الشمس في ساحة الورشة، قبل أن يدخلها إلى أفران تقليدية إلى أن يتماسك طين الآنية ويتبخر الماء داخله، حينها فقط تصبح القطعة الخزفية صالحة لأن تصير لوحة فنية، يبدع الرسامون الذين يشغلون جزءا قصيا في الورشة في تلوين أجزائها ورسم زخارف فنية ذات طابع مغربي أصيل، وحين تتشرب واجهة الآنية الأصباغ، تكون قد أزالت عنها لونها الطيني لترتدي لبوسا بهيا، فتنشرح أسارير الصانع الذي تمكن بعد جهد جهيد كما يصفه "غريب بلحيمود" للأناضول من الظفر بقطعة خزفية يأمل أن تنال إعجاب زائرا، وأن تقنعه فيقتنيها.
غير أن الأزمة الاقتصادية التي يعيش على وقعها المغرب خلال السنتين الأخيرتين بسبب تداعيات الأزمة المالية العالمية، وخاصة تلك التي تعصف باقتصاد الاتحاد الأوروبي، الشريك الاقتصادي الأول للمغرب، أثرت بشكل سلبي على مداخيل صناع الخزف في عدد من المدن المغربية التي اشتهرت منذ سنوات بهذه الصناعة التقليدية بل صارت مصدر دخل رئيس لعدد من أبنائها.
ويعود تاريخ صناعة الخزف في المغرب، حسب مختصين، إلى أزيد من 700 سنة، بل تقول بعض الدراسات التاريخية إن إدخال صناعة الخزف في المغرب وازدهارها، تعود لأفواج الفينقيين الذين استقروا ببعض المدن الشاطئية المغربية كمدينة آسفي (غرب المغرب)، حيث كانت تنشط صناعة الأواني الخزفية وتجارتها.
وأضحت المنتجات المغربية من الخزف، على الرغم من جودتها وجمالية أشكالها، تتعرض لمنافسة شرسة من طرف المنتوجات الصينية التي غزت الأسواق المغربية وأثرت على إنتاجية السوق المحلية، بل إن العديد من الورش اضطرت إلى إقفال أبوابها،أو تقليص عدد عمالها إزاء هذا الوضع"..بحسب بلحيمود
ويضيف أن ورشته نفسها "تصارع اليوم من أجل البقاء"، لأن الخزف بالنسبة إليه يتجاوز "اعتبارات السوق والحرفة وضمان قوت اليوم".
ويؤكد ذات المعنى المعلم "أحمد الغريب" قائلاً إن هذا العمل "هو شغف بموروث الأجداد وثراتهم.." مضيفا بنبرة حزينة إنه لا يستطيع رغم الضرائب المتراكمة على دكانه، وعدم وجود دعم لوزارة الصناعة التقليدية للصناع، أنيغلق أبواب الورشة التي أسسها شابا وهو "مفعم بالأحلام والآمال في تطوير هذه الحرفة وتلقين أولاده و أحفاده أصولها". ويختتم: "الخزف في المغرب اليوم صار شكلا من أشكال حفظ الذاكرة والتاريخ".
 

<< “بودا بودا”.. “شر لا بد منه” في أوغندا أبواب الرباط .. حراس القاطنين ومعابر السالكين >>

API: RSS | RDF | ATOM
 
التعليقات تخص صاحبها ولا تخص ادارة الموقع